حسن بن موسى القادري

121

شرح حكم الشيخ الأكبر

15 - من لم يمت حسّه ، لم يعرف نفسه . ولهذا عقّب كلامه السابق بقوله : ( من لم يمت حسّه ، لم يعرف نفسه ) . قوله : ( لم يمت ) بفتح الياء ، وضم الميم من مات يموت أي : قام به الموت ، أو بضم الأول ، وكسر الميم من أمات يميت أي : أعدم ، والمراد بالحسّ ما به الدرك ، ويحتمل المعنى المصدري أي : الدرك ، والمعنى الذي لا ينعدم دركه بأن لم يصل إلى مقام ( بي يبصر وبي يسمع ) ، وهذا إذا غلبت على خليقته حقيقته ولا يدرك هو شيئا ، ويرى الأفعال كلها للّه تعالى ، ويرى قواه وجوارحه ألة للحق ، أو لم يعد حسه بالمجاهدات والرياضات والمكابدات ( لم يعرف نفسه ) ؛ إذ معرفة النفس موقوفة على الخروج من وجوده وإرادته وأعماله ، وعوض أعماله المستلزم لموت الحس ، فإذا خرج عمّا ذكر ينعدم حسه ، وإذا انعدم حسّه عرف نفسه بالعجز والذل والافتقار وغير ذلك من الصفات المختصة بالنفس ، وإذا عرف نفسه بما ذكر عرف ربه بالقدرة والعز والغناء وغير ذلك من الصفات الكمالية له تعالى ، وإذا عرف ربه بالمذكور جهل نفسه ؛ لأن المعرفة توجب الفناء في اللّه ومن فنى فيه غاب عن كلّ شيء . وقال أبو العطاء الإسكندري في حكمه : « محال أن يراه ويشهد معه سواه » « 1 » .

--> ( 1 ) قال سيدي ابن عجيبة : لأن ثبوت السوى حجاب ، فلا يصح الشهود حتى يزول كل موجود ولا يبقى إلا واجب الوجود ، ويرى ما سواه كأنه ظلال أو خيال عند التحقيق مفقود . فإن قلت : إذا كان السوى مفقود فلم قال عليه السلام في تفسير الإحسان « أن تعبد اللّه كأنك تراه » . وقال لمعاذ : « اعبد اللّه كأنك تراه » ، فأتى بكاف التشبيه إذا كانت الرؤيا حاصلة فكيف يشبهه عليه السلام بمن يرى ؟ فالجواب : أنه عليه السلام في محل التشريع والتحقيق ، وهذا الحديث وقع في محفل كبير فيه من هو من أهل المراقبة ، وفيه من هو من أهل المشاهدة ، فأتى بكلامه يقبله الخاص والعام ، فالكل مخاطب بإتقان العبادة كأنه يشاهد ، فمنهم من بلغ ذلك ذوقا ، ومنهم من يكون منه ذلك مجاهدة . وأيضا شهود أنوار الملكوت سر من أسرار الربوبية لا تفشى لغير أهلها ، ولو قال عليه السلام أن تعبد اللّه لأنك تراه أي : ترى أنوار جبروته متدفقة لرياض ملكوته لكان فيه إفشاء لسر الربوبية ولا يفهمه إلا الخواص ، وقد قال عليه السلام : « خاطبوا الناس بقدر ما يفهمون » . فأتى بكلام موجه يقبله أهل الظاهر وأهل الباطن ، فأهل الظاهر يتركون الكاف على بابها ، وأهل الباطن يجعلونها بمعنى اللام ، لأن رؤية البصيرة عندهم في معد العيان لأن البصر إذا فتحت البصيرة غلبت عليه ولم يبق له حكم أصلا . -